أُمِّي و قَد أَخطَأَتِ
حُبي لَكِ كَثيراً
أَعْشَقُ روحَكِ
أَهيمُ و كُلُّ لمسَةِ حَناٍن
كما لي عَليكِ عِتاب !
فلِذَّنبِ الذي اقترفتينهُ أطلال
أَخطَأتِ يا أُمي عِندَما جَعلتِ لي نبضاً كهذا و بقايا من ذاك ، عندما جعلتني هكَذا أَظُّنُ وهكَذا أَعتَقِد
لَقَد أَخطَأتِ عِندَما رَبيتِني عَلى أَنَّ الحياةَ خَضراءُ كَعَينَيكِ، شَفافَةٌ كَروحكِ، نَقِيَّةٌ كَقلبِكِ
و أَخْطَأْتِ عِندَما عَلَمتيني أَنَّ الحياةَ تَبْتَسِمُ في وَجهِك كُلَّما كُنتَ طَيِّبَ القَلبِ .. صَافي الرُّوح .. جَذلَ المشاعر ...
عَتَبي الشَديدُ عَليكِ عِندَما لَمْ تُخبِريني أَنَّ الحَياةَ غاباتُ أسودٍ ، و كهوفَ قرود !!
و عِندَما تبَسَّم أنينُ الصمتِ في صَدرِكِ معَ قانونِ الحياةِ من خلفِهِ يرتَعِشُ
لِماذا لم تَترُكيني لِأُدرِكَه !!
ذاكَ الذي هوَ ، قَانونُ الطَبيعَة، النَفسُ البَشَريَّةُ القَذِرَةُ التي هواها مَلذاتها !
لِماذا دَثَرتِني مِن مَعرِفَةِ وجودِ ذئابٍ بشرية هُنا ... في وسَطِنا ، تَنتَهِزُ غَفلَتنا لِتَنهَشَ من أجَسَادِنا بِلا قَلبٍ ! تقتَطِعُ مِنَّا الأنفاس في صمتٍ من الرئتين .
و ثعالب تجعلنا نصدح بالغناء لتسقط قطعة الجبن من فمنا ، تلتقطها سريعاً وتسد جوعها فنرتجيها لتمنحنا منها ما لا يسدُّ الأمل ...
و إن بَدأتُ المَشيِ شَجَعتِيني، و لعزيمتي كنتِ خيرَ إصرار ، فَكَم كَان يُؤلِمُني تَكرارُ سقوطيَ ، و بِيديكِ يَتَبَدَدُ الأَلَم ، فأَظُنُّ أَنَّ الأَديمَ ليسَ قَاسياً .
و لَم أُدرِك قَساوتَهُ إِلاَّ الآنْ .. حينَ سَقَطْتُ ولَمْ يَنْتَشِلني أو يُخَفِفُ جُرحي الَّذي رَسَمَتْهُ عَلى ساقيَّ أَحَد .
و قد عَانَقتُ حَرارَةَ الدموع و حَفرَت أخاديدَ بينَ مَلامِح قَلبي .
تَصَلَّبت و أنا أُذرِفُ البُكاء حَتَّى أَشُقهُ و تَكادُ أَنْفاسي تموتُ من بيني
تَحَرَكتُ و تَعَبي أنَ و لَمْ أَجِد بقاياكِ الحَانيَةُ لأضُمَّها إلى جسَدي المُثقلُ بِكِ
تَناولَتنِي الأَيامُ بَينَ أطْباقِها و أَبقَتْ مِنِّي أَشلاءَ رُميَتْ بَعيداً عَن المَقابِرِ لا هَي جثَّةٌ تُدْفَن ولا بَقايا تُوارى ...
لَمْ أَعرِف مَعنى الحِرمان
لَم أَتَعلَّم النَقص
لَم يواريني الجُوع
فَأنتِ يا أُماهُ ، سَكبتِ لي جَمال البَحرِ في قِصَصِك ، و تَجافيتِ عَن غَدْرِه ، و قَد جَعلتِني أماطِلُهُ وهو يَتمايَلُ أَمامي ، أُلقِي تِلَكَ الحِجارَةَ فيهِ عبَثا فالدَوائِرُ التي تَرتَسِمُ بِهِ كانَت ابتِسامةٌ ثُغرِ البَحر .
و إني سَمِعتُ يَوماً أَنَّ البَحرَ كَثيراً ما غدر لكِنِّي ظَننتُ أن ذاكَ بَحرا خاصّا بِهم ، و ليسَ كالبَحرِ الذي يعرفهُ شِغافي ، و أًخيراً وجدتُ أَنَّهُ واحدٌ وهوَ يُعطيكَ الأَمانَ فإنْ يَعشَقُكَ يَجُرُكَ إلي قلبه ...
أصبحت المَيتَةَ في هذه الحياة المتمسكة بها قابعةٌ في قلب الحبيب لا يغادره رغم الرحيل ... و ها قد بدأ أنين الضحكات بعزف لحنه
فهل رأيت يا أماه تلك الشجرة إنها الطفل الذي لا يريد وداع مثلِكِ و الأحضان
اقتلعت
أُحرقت
جُذبت
لكن جذورها ما زالت مرتمية في حضن التراب
فما حالي و أنا و الحياة نِدَّان ، أطلقتني أمشي بتخبط على يسارِها المشؤوم
ابتلعتني حُفناتُ الرمال
هاجمتني أشباحُ الصمت و دفنت في مقبرة الفراغ من الخوف
أيتها الراحلة و الهوى لكِ في نبضي ، عَلِمتِيني ألا مُستحيل ، فيُمكِن للعُصفورِ أَن يَغوصَ البحر و لِلأَسماكِ أَنْ تَعلو دونَ جَناحٍ ، و إنهُ حينَاً فَقَط ، حينَ تَغشينا أنفاسُ الحَياة .. فنَتَنَفَّس بِقلوبِنا حَيثُ نَبض !
ود / فاطمة آل لطيف