متصفحك لايدعم الفلاش
مسابقات رمضانية
عدد الضغطات : 326
عدد الضغطات : 211

وشاية الملائكة


العودة   المتكأ الثقافي > فَضَاءَاتٌ قُزَحِيَّـة > الـ ظل

الـ ظل لا ظِلَّ إلا ظِــلُّكَ .

20 ملاكاً حرثوا الحبر..
ويشهقُ الصّدى! ( آخر مشاركة : سيد أحمد العلوي - )           »          طلقات الموسوي ... قريبًا ( آخر مشاركة : وَلاء المُلاّ - )           »          مسابقة " كتوبيس" 2 ( آخر مشاركة : إيمان الشاخوري - )           »          [.. مُتَّكَأ فِيْ ضِيَافَةِ.. | زَهْرَاء المتغَوِّي| ..] ( )           »          ماذا لو !! ( )           »          LINES ( آخر مشاركة : بتول الموسـوي - )           »          سيد هادي المحفوظ " كل عامٍ و أنت بخير .. ( آخر مشاركة : بتول الموسـوي - )           »          آلـ عيد ، .. ( آخر مشاركة : بتول الموسـوي - )           »          المستنقع ، ( )           »          ماذا بعد ؟ ( )           »          [.. أَنْتَ بِأَعْيُنِهِم -14- فاطمة إبراهيم آل إبراهيم ..] ( )           »          " نَدى الحُب " .. قصة قصيرة ~ ( )           »          السجين ( آخر مشاركة : حسن عابد - )           »          ماذا تقرأ ؟ ( آخر مشاركة : منال الجاسم - )           »          230191 ( آخر مشاركة : حسن عابد - )           »          إطـــراق ( آخر مشاركة : حسن عابد - )           »          مرازيم المطر.. ( آخر مشاركة : سُميّة حَسن - )           »          الحُزْنُ يَأتِيْ مِنَ الحُبِّ..|[.. لَحْظَة مِنْ قَلْبِك ..] #26 ( آخر مشاركة : فَاطِمَة إبْرَاهِيم - )           »          ..:: فلسطين تلك وهذه دماء اليد واللهب :.. ( آخر مشاركة : بتول سبت - )           »          النبي المجهول ( )

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 13-08-2010, 10:10 PM   #121
معلومات العضو
عبدالجبار علي
مشرف مدائن
 
الصورة الرمزية عبدالجبار علي

رد: أزاميل


في بستان السيد جمال الهاشمي كل شيء يبعث على الفرح، هذا العجوز الذي استطاع أن يستملك أرضا بحجم مجمع السلمانية الطبي، كان رجلا منظما جدا، بين كل نخلة تجد شجرة تين، وبين كل جدول ماء هناك شجرة موز تلهمك القدرة على استنشاق الأخضر، هناك أشجار الرمان التي تنتشر على الأرض لتغري كل فراشة بسحرها، أشراب الخس الذي تتناغم مع أشراب البقدونس والتابل في لوحة بهية تجعلك تفرق بين أخضر فاتح وأخضر غامق. بالطبع لا توجد أحراش كالتي عرفتها في المضمونة أو تينار، كل ما يسقط من النخيل يتعرى أمامي، لألتقطه بكل يسر وسهولة. تعلمك النخلة أن كل شيء فيها صالح، وعليك أن تكون مع كل ما يسقط منك كالنخلة.

في الجانب الأقصى من البستان يمتلك السيد جمال ورشة نجارة يقوم عليها ما يقارب الخمسين عاملا من الباكستانيين والسيخ، كنت أذهب بمفردي هناك بالقرب من حجرهم لأكتشف أنهم يعيشون في زنازين صغيرة، أطل برأسي من النوافذ لأرى أنهم مع كل هذا البؤس منظمون ونظيفون. ولأعرف ما يخفيه كل سيخي تحت عمامته الكبيرة تلك، أخي قال لي أنهم يتحولون ليلا إلى جنيات، وأنهم يذهبون إلى عين " مليح " ليستحوا عراة فيها.. كلما افتقدني أبي أو أخي يأتون لي هناك، فهم يعرفون أني مولع باكتشاف الأماكن القصية.

ما كان يمتعنا ويؤنسنا هو وجود أبناء خالتي وخالي الأصغر عباس، هم أيضا يعشقون ما نعشق، ابن خالتي الذي هو ترب أخي سعيد، وهو المعروف الآن في قسم الأسنان في مركز الفاتح بمستشفى السلمانية كاستشاري في جراحة الفك والأسنان، أيضا كان له نصيبه من الذاكرة.

في بستان السيد جمال كل شيء وارد أن يحدث، كنا نبحث أنا وأخي سعيد عن خلايا النحل التي تستوطن أشجار التين والرمان. وفي المرة التي مرضت فيها، وغبت عن العمل مع والدي في البستان، كان ابن خالتي وأخي سعيد يجولان فيه بحثا عن خلية جديدة للنحل. وبالفعل فقد سقطا على واحدة في إحدى أشجار الرمان.

أخي سعيد ولعلم علمه إياه والدي، أصبح يعرف جيدا متى يجب أن يتحرش بالنحل، وأيضا كيف يمكن أن يتخلص من خلية تعيقه عن العمل، وذلك بأن يشعل جريدة من النخل ثم يدسها فجرا في قلب الشجرة تلك..

يقوم أخي سعيد بتجهيز جريدة، ويسلخ منها خوصها مبقيا على البقية في نهايتها، يدسها في شجرة الرمان تلك، دون أن يحركها، ليبقيها إلى فجر اليوم التالي حيث يكون النحل جميعه فيها.

يصادف ذلك اليوم عودتي للعمل، ابن خالتي وسعيد أخي يعلمان بالخطة، ومع دخولي إلى البستان، يطلبان مني أن أنزع قميصي، وعندما سألتهما عن السبب، أجابني أخي: " بنخلص النخلة الجاية وبنسبح في البركة " .. أفرح جدا، وأفعل ما أرادا.

نسير ثلاثتنا، وفجأة يتوقف أخي سعيد، ومن خلفه ابن خالتي يبدي ابتسامة غادرة، يطلب مني أخي سعيد بأن أهز جريدة النخل التي دسها في شجرة الرمان حيث الآن هي في قلب خلية النحل، وبالتأكيد فإن الحرس الوطني ينتظر الفاعل.

لم أسأله عن السبب، وعلى الفور أنفذ ما طلب مني، أتقدم قليلا، بينما هما يتأخران في حالة تأهب قصوى للهروب بعيدا. أبقى أنا وخلية النحل، أهزها بقوة، أشاهدهما يشقان طريقهما هروبا إلى داخل البستان، وهنا، أشعر بالخديعة، فأركض في سباق مع الريح، نحلتان لا غير، كانا كفيلتان بتأديبي، مع مسافة 10 أمتار أشعر بوخزتين في وقت واحد، واحدة في الظهر، وأخرى في الخاصرة، أولول، أتقافز كحبة فشار تم غمسها في سمن مغلي، كل ما أتذكره ويتذكره أخي سعيد كلمتان: مني أو مني، أكررها ودموعي تتساقط من عيني..

يأتي أبي ويسألني عن السبب، فأقول له بما حدث وبالمؤامرة التي أعدت لي، يضحك بصوت عال، وكل ما قاله: هذا جزاك وأكثر من جزاك، نحل في حالهم وش لك ابهم، فأقول له: سعيد سعيد هو اللي قال ليي أطفرهم، فيبادرني بجملته تلك: وانت وين مخك؟ هذي نحلة تبغى اتعيش واذا أذيتها ما راح توقف ليك.. ويختم كلامه بهذه الجملة: خل سعيدو ألحين يداويك..

أطأطئ رأسي والدموع وأنة بكاء تخنقني لا أعلم هل كان بكائي من ألم سببته نحلة قررت أن تموت مع أول غرزة لإبرتها في جسدي، أم من شعوري بأني تلقنت درسا لم يكن مقررا علي، ووقعت فريسة مقلب من العيار الثقيل من أخي وابن خالتي.

مني او مني هي الكلمة التي تجعل من أخي سعيد الآن وبعد مضي 25 عاما يغرق في نوبة من الضحك لا ينفتل منها إلا بدموع عينيه..

النحل كائنات تحب وطنها، ولا تقبل أبدا بالدخلاء والمتطفلين عليها.. هي مستعدة للموت في سبيل أن تحفظ الجميع من شعبها..

دمتم بخير ..








التوقيع

  رد مع اقتباس
قديم 14-08-2010, 11:29 PM   #122
معلومات العضو
عبدالجبار علي
مشرف مدائن
 
الصورة الرمزية عبدالجبار علي

رد: أزاميل


لستُ الرجلَ الذي يكتبُ ليدخل مع نفسه في مصهر الموت، أنا أكتبُ لأقاوم رغبة الموت فيّ. ثم هناك بين كل قصيدة حب وأخرى أعيد ملء ذات الكأس بأكثر من ماء.

ليس عليّ أن أخبركم عن المرأة التي تختلس التسلل إلى كلماتي، أنا فقط أحب أن أرقص معها على وجع البجعات السبع في حكاية هانس كريستيان..

ليس علي كذلك أن أعنون قصيدة ما باسم امرأة تعرفتُ عليها بعد الفراغ من كتابة آخر سطر في القصيدة. أنا أعنون القصيدة على توقيت لحظة انفتاح الخشبة التي يقف عليها إنسان حكم عليه بالإعدام. العناوين وحدها تخون ذاكرة القصائد التي لا تمتلك القدرة على الطيران إلى الأسفل.

القدح الذي تمسكه الشهرزادات في قصائدي لا يمتلئ، فكل الشعراء يقاومون الامتلاء لأنهم لا يولدون بالطريقة التي تحددها شهرزادهم.

القصيدة الأولى التي كتبتها ذات خيبة مزقتها بعد يومين من كتابتها، وبقيت الأكثر التصاقا بي، كأم لا يمكنها أن تنسى جنينا سقط سهوا من بطنها فتحاول أن تتحايل عليه بجنين آخر..

لذلك فكل قصائدي الخمسين هي تحايل على قصيدة سقطت عمدا من ذاكرة الحب. هل يحق لنا إذن أن ندين في العادة إلى خساراتنا وخيباتنا أم إلى قدرتنا على التحايل على أرحامنا بأن نترك للآخرين اختيار الأجنة التي تنسينا وجعنا الأول.

لتقاوم موتك عليك أن تغريه بما هو أقوى منه. والكتابة عن امرأة لا ملامح لها يجعلك تنتصر في كل معاركك مع الذاكرة.

الكتابة عن امرأة تشبه إيزيس تجعل من كل قصائدك جسدا أوزيريسيا يحترف الوفاء.

قبل عامين طلبت مني إحداهن أن أخبرها عن قصة قصيدة كان عنوانها امرأة من دخان، فقلت لها: لا قصة فيها، طالما أني حولتها على الورق إلى كتلة دخان..

هكذا تموت امرأة كان عمرها أقصر من نفثة سيجارة، وعلى الرجل أن يكون عادلا حينها، فمع كل نفثة يبقي لنفسه منها شيئا يأخذ طريقه إلى رئته.


دمتم بحب ..





  رد مع اقتباس
قديم 16-08-2010, 09:46 PM   #123
معلومات العضو
عبدالجبار علي
مشرف مدائن
 
الصورة الرمزية عبدالجبار علي

رد: أزاميل

الأستاذ نعمان رحمه الله، أحد الذين تشرفت بالتلمذة على أيديهم في اللغة العربية في الصف الثالث الإعدادي، رجل ناهز الأربعين وقتئذ، بصوته الجهوري الجميل أحببني في الشعر، كان يلقي القصيدة كأنما للتو كُتبت، يلقي القصة ( أبوفراس الحمداني) وكأن كل ما فيها مشاهد ومرئي، يمثلها، ويطلب منا نقد ما تتضمنه من أمور خوارقية تعمدها كاتبها.

في اللحظة التي كان علي أن أخنار المسار الذي يحدد مستقبلي، كان له رأي مخالف. أتذكر جملته جيدا: " عبدالجبار، ويش ليك بالأدبي، انت طالب مجتهد والعلمي يناسبك، الأدبي يا ولدي ما يأكل عيش "

لا أنكر أن كلامه جعلني أعيد حساباتي، ومع ذلك، كنت مولعا بالعربية، ألا يقول المثل" بأن ما تعرفه خير مما تجهله" .. ولذا فقد انزعج مني لإصراري على هذا الخيار.

بعد سنين ثمان، يتم تعييني معلما للغة العربية، وفي المدرسة نفسها، أذهب برسالة التعيين إلى المدير، وهناك تحدث المفاجأة.

أدخل وأسلم على المدير وأثني بقبلة على رأس الأستاذ نعمان رحمه الله، أسلم الرسالة للمدير، وعيني على الأستاذ نعمان بانتظار ردة فعله..

يرحب بي المدير ويتمنى لي رحلة موفقة في المهنة، الأستاذ نعمان يبتسم ، وبكلمة واحدة : انت عنيد..

دمتم بخير ..





  رد مع اقتباس
قديم 18-08-2010, 10:55 PM   #124
معلومات العضو
عبدالجبار علي
مشرف مدائن
 
الصورة الرمزية عبدالجبار علي

رد: أزاميل

الجزء الثاني

قلتُ لكم فيما سبق بأني ربيب بيت تعشّق كل معاني الكرامة والأنفة والعزة، أكثر من ذلك هو بيت اختصر كل تلك المعاني في معنى واحد هو التعفف. فكنتُ صغيرا أحسب أني من عائلة غنية لفرط ما كان أبي وأمي متفقين على ألا يحتاجا لأحد أيا كانت الظروف والمسوغات.
في بيت جدي رأيتم ذلك، مع تلك الحرب الطاحنة التي خاضتها أمي مع زوجات أعمامي، للحصار الذي مورس علينا، لم يكن لأبي ولا لأمي أن يكشفا عورة وجوهنا. بل كان الصبر هو درعهما الواقية، ومعطفنا الدافئ الذي كنا نحتمي به من ذل السؤال أو حتى مرارة الشفقة.

دفعتُ أنا وإخوتي ثمن ذلك، فلم نكن نشعر بوجود أب في حياتنا، بين عمل حكومي وآخر بين النخيل حيث لا طفولة يمكنها أن تتشكل إلا بين الأشواك ولفح الهجير.

نعرف أن أمنا لم تكن تشكو من هذا الحال، لعلمها أن البديل لغياب هذا الزوج حتما سيكون الجوع.

لذا بيننا نحن الثلاثة عادل وسعيد وأنا، قسمة مختلفة، أخي عادل اكتفى بوجودنا ليتفرغ لدراسته، لا أذكر أنه كان مثلنا أنا وأخي في ملازمة والدي، حتى قبل أن يحصل سعيد على رخصة سواقة، كان عادل أول من حصل على رخصة السواقة قبلنا، ولأن جدي لأبي يحبه حبا جما، فقد اشترى له سيارة 140g ، ولهذه السيارة قصة ستأتي، اشتراها جدي من جارنا الحاج جعفر ، كنا نسميها البرتقالة لسبب لونها، ومع حصول أخي سعيد على الرخصة في آخر أيام العناء، يشتري عادل سيارة من طراز كورونا بيضاء أكثر أناقة. بالطبع هذه المرة من جيب والدي الخاص. لتنتقل البرتقالة إلى أخي سعيد وتبدأ رحلتنا بها إلى عذاري.

بينما أخي عادل يجد في دراسته بالمدرسة الصناعية ( جدحفص ) إذ يختار قسم الكهرباء، تعترضه مشاكل دراسية خصوصا مع مادة " الأصول " وما فيها من صعوبة، تجعله يقع في كل مرة ضحية الإعادة، لا لسبب إلا لأن المعلم لا يريد لعادل أخي أن يجتازها، هذا المعلم المصري اسمه صبري كما أتذكر، ومع وصول أخي إلى السنة الثالثة، ومع نهاية الفصل الأول يقرر الخروج من المدرسة، فنتيجة الفصل الأول أيضا إعادة في مادة الأصول ستجعله يعيد السنة دون ريب.

يخبر أمي بذلك، فينقلب وضع البيت رأسا على عقب، لأنك كنت أملا لأحدهم لا يسعك أن تنقلب إلى خيبة. وعندما تفعلها فإنك حتما ستقتل كل شيء.

أمي تدخل في نوبة حزن كانت كافية لتتسرب إلينا جميعنا، لا أحد قادر أبدا على أن يثني عادل عن هذا القرار، يبدأ الفصل الثاني ويكتشف أبي أن رسائل من أصحاب عادل تصل البيت تطلب منه الحضور إلى المدرسة. يعلم أبي أن عادل لم يكن يذهب إلى المدرسة، بل ثمة مكان ما هو قبلته، لا نعلم أين ..

مع اكتشاف الأمر، تصبح أمي على حافة انهيار أقعدها مريضة لأسبوع وأكثر، أبي أيضا يخفي حزنه بشجاعة، وأحيانا بشيء من اليأس: " العوض على الله، لا على ولد ولا على تلد "، يلقي عليه كلماته تلك ويزيد أحيانا: " شوف، هذا مستقبلك، أنا ما أبغي منك شي، أنا أتعب وأشقى علشان من؟ مو علشانكم، الحين يوم جيت بتتخرج تطلع من المدرسة؟ " ..

تتقلص قائمة الحلول، كعادتها أمي لا تجد حلا إلا من الخارج، تذهب إلى خالي الأكبر يوسف وتحدثه بالأمر، يستشيط خالي غضبا عليه، يتوجه في اليوم التالي إلى البيت وتحدث المعجزة. أخي يقرر مواصلة دراسته، لا نعلم ماذا قال هذا اليوسف إليه، ولكننا كنا واثقين من أنه سيفعل شيئا ما.

يستعين أخي بصديقيه " فيصل وعقيل " وهما الآن مهندسان مدنيان، حيث كنت أشاهدهما يواظبان على البيت كل مساء، ويبدو أن أخي قرر أن يصنع نجاحه..

في نهاية العام.. يأتي أخي بشهادته.. مازلت أذكره وهو قادم من بعيد، يلوح بها، يركض، يراني عند الباب، لا يعيرني اهتماما، يسأل عن أمي، فأخبره بأنها في الداخل، يذهب لها .. يقع على ركبتيه أمامها، يقبل رأسها، ويقول : أماه نجحت ، تبكي ويبكي وأنا واقف مستندا على حافة الباب، أيضا أبكي ..


كونوا بخير ومحبة





  رد مع اقتباس
قديم 20-08-2010, 09:31 PM   #125
معلومات العضو
عبدالجبار علي
مشرف مدائن
 
الصورة الرمزية عبدالجبار علي

رد: أزاميل


كنا نلقب البرتقالة بالسلحفاة، كنا صغارا في بيت جدي، نراها، الحاج جعفر العلواني هو أول من اقتنى سيارة في الحي الذي نسكنه والذي كان ومازال يُعرف بحي الملا حسن زين، هذه هي البرتقالة، في كل يوم جمعة يأخذ أولاده فيها متوجها إلى جامع القرية لحضور صلاة الجمعة، يحدث أحيانا أن يلتقي بجدي حسن فيعرض عليه أن يستقل البرتقالة بدلا من المشي، ولكن جدي كعادته، يرد عليه هكذا: المشي أثوب.

ليس تلقيبنا لها بالسلحفاة لبطئها، بل لأنها عمّرت أكثر مما يجب، إلى أن جاء اليوم لتكون عضوا في عائلتي. كنا نتفاءل كثيرا بها، حتى جدي عندما اشتراها لأخي عادل قال له: " تحمل ابها هذي من عند واحد مؤمن " ..

بعد سنة تنتقل السيارة إلى أخي سعيد الذي للتو حصل على رخصة سياقة، ومع قليل خبرة. صرنا نذهب إلى " المضمونة " بها، نرهقها بأثقال كالجبال، أحيانا يكون لسقفها أن يتحول إلى سنام.

تقع المضمونة تلك على الضفة الغربية لساب عذاري، في أوله، وكما قلت لكم، هي الآن تقع مباشرة بعد مطعم " تبريز " ، بينما يبدأ الساب بمحاذاة الشارع الموجود حاليا والذي ينتهي عند عين عذاري. فالشارع هو ما يفصل بين المضمونة والساب.

في أحد الأيام، وكالعادة، ننتهي من عملنا في المضمونة، ونطلب من والدي منحة كريمة، هي الذهاب للسباحة في عذاري. وبعد مفاوضات طويلة، يوافق، كان سبب منعه إيانا هو أنا، وعبارته التي أحفظها هي :" جابر بعده صغير، أخاف يفطس عليكم ". بينما يؤكد له أخي سعيد :أبويي لا تخاف عليه، هذا مثل الحرسون " ..

نذهب والفرح يلبس وجوهنا، نلقي بكل تعبنا في ماء عذاري، هي كريمة عادة رغم أنها مسكونة بالموت. من لا يعرف تفاصيل قاعها حتما ستخطفه من الحياة، وأما نحن فكنا لفرط اعتيادنا نعرف جيدا مستويات العمق فيها.
نفرغ من السباحة، نركب البرتقالة، المياه التي تنتقع بها ملابسنا لا تتأخر في الجفاف، نقطع الشارع المؤدي رجوعا إلى المضمونة، السيارة تلك تبتلع المسافة ابتلاعا، سعيد لا ينظر في المرآة العاكسة، نصل بوابة المضمونة، يقرر أخي أن ينعطف دون أن يلاحظ من خلفه.

سيارة من نوع ديهاتسو " Chrid " بيضاء يسوقها أحدهم ، هو لا يعلم أن هذه البرتقالة ستنعطف، يقرر أن يتجاوزنا في لحظة انعطاف البرتقالة، يضربها من الجنب ليعيدها إلى مسارها الأول ، ولكن هناك " الساب " ينتظرنا..

يمسك أخي سعيد بمقود البرتقالة، يثنيها عن الاتجاه إلى الساب، تقرر هي أن تتوقف ولكن أين ؟

تماما على حافة الساب..

كنا أنا وأخي وخالي وابن خالي فيها، وكان القدر رؤوفا بنا هذه المرة..

أكره هذا السقوط الذي لا يخبر أحدا عن توقيته ..

دمتم بخير ..





  رد مع اقتباس
قديم 22-08-2010, 12:00 AM   #126
معلومات العضو
عبدالجبار علي
مشرف مدائن
 
الصورة الرمزية عبدالجبار علي

رد: أزاميل

ألم أقل لكم بأن الحياة لا تعطينا ما نريد، ولكنها ذكية في أن تسرق منا أغلى أشيائنا؟ يحدث أحيانا أن نلتقي بأبي عند ساق نخلة، نحادثه من أسفلها، لم أكن أعلم كيف له أن يسمع صوتنا دون أن نحتاج للصراخ. نلتقي به بعد ما يزيد عن الخمس عشرة ساعة، خصوصا إذا كان عليه أن يزاول عمله الرسمي خلال نوبة ليلية، ليوصلها بنوبة نهارية في عمله الخاص.

ربما تكون الزوجة هي الأكثر شعورا بهذا الغياب. بالنسبة لنا كان شعورنا بأننا سنلتقي يخفف عنا وجع فراقه. وفي الفترة التي تعاقد فيها مع السيد جمال كان الأمر أكثر عناءً. كان علينا أن نفترق عنه، هو في المضمونة ( بعذاري ) ونحن في بستان السيد جمال الواقع في الجهة الجنوبية الغربية لنادي الشباب حاليا. خصوصا في الفترة التي تكون نخلة " الخلاص" قد خرجت من صمتها، هذه النخلة التي أكرهها جدا، إنها قليلة الصبر، خصوصا مع اشتداد حرارة الجو، هي ليست كغيرها تنتظر يوما أو يومين دون جني ( خراف ) بفتح الخاء. مدللة هي وحرية بهذا الدلال. إنها لا تتحمل أن تتأخر يوما، بل إن تأخرها ليوم كفيل بأن يحيل رطبها إلى تمر ( هامد ) . وهذا بالطبع ما يشكل خسارة كبيرة بالنسبة لنا وللسيد جمال، فتمرها غير مطلوب وقتها بخلاف ما عُرف عن " الخنيزي أو المرزبان " .

إزاء ذلك كان علينا أن نفترق عن والدي، هو في " عذاري " ونحن في بستان السيد جمال. وعلينا هنا أن ندخل مع والدي في سباق مع الوقت، إذ كان يتزامن نضوج نخلة " الخلاص " مع نخلة " الخنيزي" وشتان بين الاثنين، " المضمونة " تلك كانت بستانا عامرا بالأخيرة ( الخنيزي ) ولأن والدي كان محترفا في التعامل معها، كان أمامه أن ينهي ما ينيف عن العشر نخلات منها، وهو ما يشكل عدد لا يقل عن الخمسة سبابيق ( أوعية الرطب المصنوعة من الخوص )، ينتهي منها ثم تبدأ مشلكة تحميل هذه الأوعية، بالطبع يكون لدراجته الهوائية أن تتحمل نصيبها من المهمة، وما يزيد يكون لرأس والدي نصيب أيضا.

مع ذلك لا أذكر مرة أننا سبقنا والدي في هذه المهمة، فهو يبدأ عمله في الخامسة أو السادسة صباحا، أي أنه لا يعود إلى البيت في حالة كونه على النوبة الليلية تلك، وإن لم يكن فهذا دأبه.

يحدث أحيانا أن يأتي دون تحميل تلك الأوعية، ليساعدنا، وبعدها نقوم أنا وأخي بالذهاب لأخذها بواسطة السيارة. وبالطبع دون الرجوع إلى البيت حيث يكون وقت الغذاء، بل نتوجه بمئونتنا إلى السوق مباشرة، من أجل أن نحجز لنا مكانا في قلب السوق. حيث لا مجال هناك للجلوس على قارعة الطريق أو في زاوية نائية تجعلنا منسيين لدى مرتاديها، مع ما يُعرف عن سمعة والدي وما يبيعه.

يفخر بنا نحن الاثنين، وعندما يسمعنا نتذمر من عدم حضور أخي الأكبر كان يقول لنا " انتون عن عشرة ". هنا تُدرك قيمة ما تصنعه الثقة التي يزرعها فيك الآخرون عندما يرونك عددا قابلا للمضاعفة.

في البدء لم أكن أجسر على مشاكسة النخيلات الطوال التي تتجاز العشرة أمتار، ومع مرور الوقت، وحاجة والدي وأخي إلي في تغطية أكبر عدد ممكن من النخيل، أقرر أن أجرب حظي، بدأت بمعية أخي وتحت ملاحظته بامتشاق الطويلات منها، ولحظتها ندمت على اكتفائي بركوب المتوسطات والصغيرات، إنك في الأعلى تكتشف كل شيء، تشعر بأنك هناك تقاتل من أجل أن يحيا الآخرون، تشعر وأنت تتدلى بأن ما يقع تحتك أقل بكثير مما يقع فوقك رأسك.. شعور لم يكن يثير في أي مشاعر خوف من سقوط، إلى اللحظة التي سقطت فيها فاطمة، كان علي أن أعيد حساباتي من جديد. ولكن لا مناص، فأنت في سنك تحتاج لأن تثبت للآخرين أنك لم تعد صغيرا.

مودة ومحبة ..





  رد مع اقتباس
قديم 22-08-2010, 09:26 PM   #127
معلومات العضو
عبدالجبار علي
مشرف مدائن
 
الصورة الرمزية عبدالجبار علي

رد: أزاميل


في السنة التي انتصرت فيها الثورة الإسلامية في إيران بقيادة روح الله الموسوي الخميني قدس سره الشريف، كنا مانزال صبية لا نفقه من السياسة شيئا، كل ما تعلمته كان على يد والدي، حيث كانت لعناته تنصب على تلك الوجوه التي تظهر في شاشة التلفاز في كل نشرة أخبار.

قلت لكم آنفا أنه كان يعرفهم واحدا واحدا لسبب أنه كان يرتاد مناطق سكنهم، ويعرف تفاصيل حياتهم، ما يملكون وما يسرقون، ما يدور في هذه البيوت من حفلات ماجنة وسكر وعبث. كان يحفظ عدد سيارات البورش والمرسيدس وغيرها لكل واحد منهم.

يقرر شباب المنطقة الذين كانوا يجاورون بيتنا أن يبنوا مأتما من خشب قبالة منزلنا، وبالفعل فقد تم لهم ذلك دون تصريح.

في الفترة التي كانت فيها المطاردات على أوجها في فترة الثمانينات في القضية التي عُرفت بانقلاب الثمانينات بحسب ما كنا نسمع.

كنت مولعا بكل الأشرطة التي كانت للشهيد ناجي العلي رحمه الله، وكان الجيمع يعرف ما معنى أن يقبض عليك وفي حوزتك شريط لهذا الشاب الشهيد.. وكنت مشغوفا بواحد ليس له، إنه لصادق آهنكران، وكانت قصيدة " مات الشهيد ونال العز والشرفا" هي أكثر ما علق بذاكرتي من تلك الأشرطة.

جمعنا أنا وأخي سعيد الكثير من هذه الأشرطة، وفي أوج فترة الاعتقالات تلك، كان علينا أن نفكر في طريقة للتخلص منها، برغبة من والدتي التي كانت تتوقع أي مداهمة في أي وقت، بحكم وجود هذا الماتم قبالة بيتنا، وبحكم علاقتنا بكل من فيه. فاقترحت على أخي بأن نخبأها في سقف المطبخ، أو نودعها عند بيت خالي، غير أن هذه الحلول لم ترضه أبدا..

في اليوم التالي أتفاجأ بأخي سعيد وفي يده كيس أسود، أسأله عن محتواه، فيقول لي " الأشرطة مالتنا " . أشعر هنا بحزن كبير وأرى ملامح هذا الحزن باديا على محياه أيضا. أقول له: حطيت وياهم شريط " مات الشهيدُ " فيقول: " أي كلها في هالجيس ". أشعر برغبة في البكاء حيث كان من الصعب علي أن يمر يوم دون أن أستمع إليه.

أسأله: " وين بتوديهم " ، فيجيب: " تعال وياي وبتعرف " ..

نذهب معا إلى عذاري وندخل المضمونة، يتجه نحو العريشة التي كنا نستريح فيها، فيسحب جردلا كان معدا لتجميع اللقاح، فيأخذه ويزج بالكيس فيه، ثم يطلب مني أن آتيه بكيس آخر، ويقوم بتغطية الكيس الأول به.

يسألني عن والدي، فأقول له بأنه عند " الفدى " وهو مكان تجميع التمر والسقاط.

يطلب مني أن ألحقه، نمشي معا حتى نهاية الغابة تلك، هناك، يطلب مني أن أحفر حفرة عميقة بحجم ذلك الجردل. أحفر وأنا أشعر للحظة أني أحفر قبرا لشخص عزيز علي.

بعد الفراغ من عملية الحفر، يقوم أخي بدس ذلك الجردل بما فيه في التراب، وثم يهيل عليه ذات التراب، يذهب إلى شجرة رمان، ويأخذ منها غصنا، يغرسه في موضع الجردل.

تهدأ الأمور، بعد سنة يتم إزالة المأتم ذاك بأمر حكومي بعد أن تم اعتقال ثلاثة من الذين شيدوه. أطلب من أخي أن نخرج الجردل من الحفرة، أقول له: لقد اشتقت جدا إلى سماع قصيدة " مات الشهيدُ ونال العز والشرفا " .. يوافقني أخيرا..

نذهب إلى موضع الجردل، يختفي غصن الرمان، ونظل نبحث هنا وهناك، خمس حفر تقريبا، النخيل متشابهة، والمسافات متشابهة، الحفرة السادسة كانت من نصيبي، أحفر قليلا إلى أن ظهر لي اللون الأسود وحافة الجردل، أشعر بفرح كبير جدا، يوازي الحزن الذي دفنته به.

أصرخ على سعيد، فيأتي فرحا، يساعدني في عملية استخراج الجردل، نخرجه بسلام..

أبدأ في نبشه، وصولا إلى الكيس الذي يحوي الأشرطة.. تحدث المفاجأة ..

كل الأشرطة عاطبة، يعلوها الصدأ، الكيس متهرئ، أبحث عن الشريط الأحمر خاصتي، أجده .. أدسه في جيبي، وأدعو الله أن يكون سالما..

أصل إلى البيت، ومباشرة إلى " المسجلة" أضعه فيها: الشريط لا يعمل، الأصوات تختلط، كل ما كان واضحا هو كلمة " الشهيد " ..

دمتم بخير ..





  رد مع اقتباس
قديم 25-08-2010, 10:25 PM   #128
معلومات العضو
عبدالجبار علي
مشرف مدائن
 
الصورة الرمزية عبدالجبار علي

رد: أزاميل


أبيض مشرب بحمرة، هو لم يكن مألوفا بين أقرانه من القرية، يميل وجهه للعرض أكثر من ميله للطول، عينان تتسعان بتناسب بين نصفي وجهه، هما أكثر ما يمكن أن يلفتك وأنت تراه لأول مرة، بلونهما العسلي الجميل، شعره المتموج أيضا ينساب في نظام على رأسه، قامته التي تميل للقصر، سمنته التي تنبئ بما سيكونه بعد عشرين سنة، هدوء يضج بالوقار، ووقار يضج بالرجولة.

عرفته في السنة الثانية لي في سلك التعليم، ولفرط هدوئه وكعادتي مع الطلبة الذين أخاف عليهم من أقرانهم الكبار، أفرقه عنهم، فأسحبه ليكون المقعد الأمامي هو مكانه. لا لسبب سوى أن يكون قريبا مني، وتحت مراقبتي.

هو أيضا كان يلجأ لي في كل حالة تحرش أو عراك مع أولئك الذين لا يملكون رصيدا علميا أو أخلاقيا يجعلهم ملتزمين أمام زملائهم. وكنت أعطي الأمر أكثر مما لا يستحق، أحيانا أطلب من المشرف استدعاء أولياء أمورهم وأحيانا يتم الاكتفاء بتعهد كتابي قد يكفل لي عدم معاودتهم له.

أحببته ولا أعلم سر هذه المحبة، كان ذلك في السنة الأخيرة لي في تلك المدرسة، فقد تزامن تخرجه منها مع نقلي بصفة عقابية من قبل مديرها، حيث لم يتحمل وجود مدرس يقف له في الاجتماعات العمومية ليقول له أنت ظالم ولا يعجبك إلا هؤلاء المتسلقين الذين يضحكون عليك، ويزورون لك نتائج طلابهم، أما المخلصون فأنت لا تريد رؤيتهم، رغم أني طلبت الانتقال أصلا من المدرسة تلك، ولكنه آثر أن يطبع بصمته في ملفي المهني.

في ذات السنة يتعرف هذا الطالب على أخي حبيب الذي للتو دخل المدرسة، لم يكن لي يد في صداقتهما، ولكني عندما علمت بها سررت جدا.

بقيت صداقتهما تضج بالحب رغم افتراقهما، ثم سرعان ما يلتقيان في المدرسة الثانوية بالفارق نفسه..

تصل درجة الصداقة تلك إلى الحد الذي أصبح فيه هذا الشاب ملاصقا لأخي حبيب، هو يذهب معه لينام في بيتهم، وهو أيضا يأتي إلى بيت والدي ليقضي وطرا من النوم فيه.

أصبح مع مرور الوقت جزءا منا، هو كذلك أصبح يعرف كل من في البيت، عددنا، أسماءنا، الإناث منا، والذكور.

كنت بالطبع حسن الظن به، ولم أكن للحظة أن أشك في نواياه من هذه العلاقة. أمي أيضا تحبه، وتكرمه وتخاف عليه تماما كما تخاف علينا.

بعد مرور عامين أو يزيد من هذه العلاقة العائلية، يتم توظيفه في إحدى الشركات الخاصة. يحدث أيضا أن يتعرف على أخي حسين هناك، فتزداد علاقته بنا، أنا أستاذه، وأخي حبيب رفيقه، وأخي حسين زميله في العمل..

كان هذا هو عمار..

بعد سنة تماما يفاجؤنا بطلب يد إحدى أخواتي ..

هل تعرفون من كانت؟

تلك هي فاطمة.. وللحديث بقية مع إزميل خاص بــــ ( زواج فاطمة ) .

كونوا بخير ..





  رد مع اقتباس
قديم 04-09-2010, 11:44 PM   #129
معلومات العضو
عبدالجبار علي
مشرف مدائن
 
الصورة الرمزية عبدالجبار علي

رد: أزاميل


خاطئة أنتِ أيتها الدنيا، أيها الزمن الذي تكرر ذات أخطائك، كم سرقتَ منا أعمارا كنا نحسبها ملكنا، اشترينا أكفاننا وتركناها في أقصى مكان من دواليب النسيان، هي الشيء الوحيد الذي نشتريه مرة واحدة ونستخدمه مرة واحدة، ولأننا ماهرون في صنع مهزلتنا نساوم بائعه على سعره، وهو يعلم أن الفرق جد تافه.

سألتُ عمار عن فاطمة، فقال لي: كل أسئلتك أعرفها، وأعرف الإجابات التي تريدها. كنت أنأى بنفسي عن الدخول في مسائل زواج أخواتي، كل من يطلب رأيي أحيله إلى صاحبة الشأن. أكثر من ذلك أنا لا أحضر عقود الزواج تلك، ولا أرغب في المشاركة في عقد قد أكون أول المطلوبين فيه بمجرد أن يُحتاج إلى حكم ( من أهله وحكم من أهلها ) . تنبأت فقط، قلت لإحداهن همسا: ستدفعين الثمن غاليا إن أنت قبلت بهذا الرجل! وصدقتني.

الذين يعرفون أسئلتك فقط يكسبون المعركة عادة، أما الذين يعرفون أجوبتها فإنهم يهزمونك مرتين.

قلت لعمّار: ماذا تعرف من أسئلتي؟
قال: أعرفها كلها، وأهمها: لماذا اخترت فتاة أفوقها جمالا.
ضحكتُ منه، كانت المقابلة معه خارج البيت، وفقط للمرة الأولى أدخل في هذه الزيجة. كنت أزمعت النية على الوصول إلى كنه رغبته تلك، من أجل أن أطمئن على فاطمة، لأني أعلم أن الرجال مزاجيون، ولأني أعلم أن ثمة فرق بين رجل يختار امرأة يحبها، وبين آخر تختاره أمرأة تحبه.

قلتُ له: سأسألك سؤالا لا تتوقعه أبدا؟ وعلى الفور شعرت بملامحه تتغير، وببؤبؤ عينيه يأخذ في الاتساع كقطة تسير في الظلام.

قال: وما هو؟
قلتُ له: مالفرق بين فاطمة وغيرها؟
فقال لي: أنا أسألك: قل لي ماالذي لا تملكه فاطمة؟
قلتُ له: إذن أنت تعتقد أن فاطمة لا ينقصها شيء.
فقال: بل أنا متيقن بأن فاطمة التي عشتَ معها هي غير فاطمة التي أحببتها أنا.
قلت له: كيف، اشرح لي أرجوك.
فقال لي: عندما تحب فتاة فإنك لا تعرف لماذا أحببتها.
قلتُ له: وكيف ترى فاطمة؟
فقال: فاطمة بالنسبة لي عمر جديد، أنا يا أستاذي أعلم أنكم تسألون الأسئلة نفسها التي تحتم علي أن أختار غيرها، تماما كما يحدث في بيتنا، أنا في نظر الجميع شاب وسيم، وفرصي كبيرة في الاقتران بأجمل فتاة، ولكني اخترت فاطمة وتعلق قلبي بها، صرتُ أسأل نفسي مثلكم، وأفشل في الوصول إلى إجابات، صرت أعرف وأشعر أن ثمة يد خفية في الأمر.

شعرت عندها بأن الرجل يفكر بطريقة صعبة، ويحب بطريقة صعبة، ويختار الخيار الأصعب.

قلت له: وهل تحبك؟

شعرت بملامحه تتغير، وشعرت بأني أخذته إلى الأسئلة التي لا يملك صلاحية الإجابة عنها.

قال لي: يمكنك أن تسألها.

فقلت له: بل سأسأل حبيبا لأنه يعرف هذه المؤامرة كاملة.

عاجلني بابتسامة خاطفة، وأضاف: عليك يا أستاذي أن تنظر في عين فاطمة وأنت تسألها.

حينها فقط، شعرت بقلبي يتكوم في صدري، ربما لأنه لا يعلم أن عبارته تلك ستجعلني أغرق في نوبة صمت ستقتل بقية الأسئلة التي حضرتها له.

طلبت منه الرجوع، وأدرت مفتاح السيارة، وفي الطريق بقي هو في غمرة فرح عرفتها من عينيه، وكأنه كسب رهان فاطمة. بينما كنت أنا أتوسل بالدموع كي لا تفضحني أمامه.
أيهذا الرجل الجديد، القادم من جهة الله، رحماك لا تذكر لي عين فاطمة مرة أخرى، اختر لك شهودا من الناجين ذات سقوط.

مع تحياتي..





  رد مع اقتباس
رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع إلى


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 05:37 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4, Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd
Ads Management Version 3.0.0 by Saeed Al-Atwi
المتكأ مسؤول عن بياض المتصفّح، وكل ما يسكب من محابر الآخرين ليس بالضرورة ما يتبناه
رقم التسجيل:EGMK232