في بستان السيد جمال الهاشمي كل شيء يبعث على الفرح، هذا العجوز الذي استطاع أن يستملك أرضا بحجم مجمع السلمانية الطبي، كان رجلا منظما جدا، بين كل نخلة تجد شجرة تين، وبين كل جدول ماء هناك شجرة موز تلهمك القدرة على استنشاق الأخضر، هناك أشجار الرمان التي تنتشر على الأرض لتغري كل فراشة بسحرها، أشراب الخس الذي تتناغم مع أشراب البقدونس والتابل في لوحة بهية تجعلك تفرق بين أخضر فاتح وأخضر غامق. بالطبع لا توجد أحراش كالتي عرفتها في المضمونة أو تينار، كل ما يسقط من النخيل يتعرى أمامي، لألتقطه بكل يسر وسهولة. تعلمك النخلة أن كل شيء فيها صالح، وعليك أن تكون مع كل ما يسقط منك كالنخلة.
في الجانب الأقصى من البستان يمتلك السيد جمال ورشة نجارة يقوم عليها ما يقارب الخمسين عاملا من الباكستانيين والسيخ، كنت أذهب بمفردي هناك بالقرب من حجرهم لأكتشف أنهم يعيشون في زنازين صغيرة، أطل برأسي من النوافذ لأرى أنهم مع كل هذا البؤس منظمون ونظيفون. ولأعرف ما يخفيه كل سيخي تحت عمامته الكبيرة تلك، أخي قال لي أنهم يتحولون ليلا إلى جنيات، وأنهم يذهبون إلى عين " مليح " ليستحوا عراة فيها.. كلما افتقدني أبي أو أخي يأتون لي هناك، فهم يعرفون أني مولع باكتشاف الأماكن القصية.
ما كان يمتعنا ويؤنسنا هو وجود أبناء خالتي وخالي الأصغر عباس، هم أيضا يعشقون ما نعشق، ابن خالتي الذي هو ترب أخي سعيد، وهو المعروف الآن في قسم الأسنان في مركز الفاتح بمستشفى السلمانية كاستشاري في جراحة الفك والأسنان، أيضا كان له نصيبه من الذاكرة.
في بستان السيد جمال كل شيء وارد أن يحدث، كنا نبحث أنا وأخي سعيد عن خلايا النحل التي تستوطن أشجار التين والرمان. وفي المرة التي مرضت فيها، وغبت عن العمل مع والدي في البستان، كان ابن خالتي وأخي سعيد يجولان فيه بحثا عن خلية جديدة للنحل. وبالفعل فقد سقطا على واحدة في إحدى أشجار الرمان.
أخي سعيد ولعلم علمه إياه والدي، أصبح يعرف جيدا متى يجب أن يتحرش بالنحل، وأيضا كيف يمكن أن يتخلص من خلية تعيقه عن العمل، وذلك بأن يشعل جريدة من النخل ثم يدسها فجرا في قلب الشجرة تلك..
يقوم أخي سعيد بتجهيز جريدة، ويسلخ منها خوصها مبقيا على البقية في نهايتها، يدسها في شجرة الرمان تلك، دون أن يحركها، ليبقيها إلى فجر اليوم التالي حيث يكون النحل جميعه فيها.
يصادف ذلك اليوم عودتي للعمل، ابن خالتي وسعيد أخي يعلمان بالخطة، ومع دخولي إلى البستان، يطلبان مني أن أنزع قميصي، وعندما سألتهما عن السبب، أجابني أخي: " بنخلص النخلة الجاية وبنسبح في البركة " .. أفرح جدا، وأفعل ما أرادا.
نسير ثلاثتنا، وفجأة يتوقف أخي سعيد، ومن خلفه ابن خالتي يبدي ابتسامة غادرة، يطلب مني أخي سعيد بأن أهز جريدة النخل التي دسها في شجرة الرمان حيث الآن هي في قلب خلية النحل، وبالتأكيد فإن الحرس الوطني ينتظر الفاعل.
لم أسأله عن السبب، وعلى الفور أنفذ ما طلب مني، أتقدم قليلا، بينما هما يتأخران في حالة تأهب قصوى للهروب بعيدا. أبقى أنا وخلية النحل، أهزها بقوة، أشاهدهما يشقان طريقهما هروبا إلى داخل البستان، وهنا، أشعر بالخديعة، فأركض في سباق مع الريح، نحلتان لا غير، كانا كفيلتان بتأديبي، مع مسافة 10 أمتار أشعر بوخزتين في وقت واحد، واحدة في الظهر، وأخرى في الخاصرة، أولول، أتقافز كحبة فشار تم غمسها في سمن مغلي، كل ما أتذكره ويتذكره أخي سعيد كلمتان: مني أو مني، أكررها ودموعي تتساقط من عيني..
يأتي أبي ويسألني عن السبب، فأقول له بما حدث وبالمؤامرة التي أعدت لي، يضحك بصوت عال، وكل ما قاله: هذا جزاك وأكثر من جزاك، نحل في حالهم وش لك ابهم، فأقول له: سعيد سعيد هو اللي قال ليي أطفرهم، فيبادرني بجملته تلك: وانت وين مخك؟ هذي نحلة تبغى اتعيش واذا أذيتها ما راح توقف ليك.. ويختم كلامه بهذه الجملة: خل سعيدو ألحين يداويك..
أطأطئ رأسي والدموع وأنة بكاء تخنقني لا أعلم هل كان بكائي من ألم سببته نحلة قررت أن تموت مع أول غرزة لإبرتها في جسدي، أم من شعوري بأني تلقنت درسا لم يكن مقررا علي، ووقعت فريسة مقلب من العيار الثقيل من أخي وابن خالتي.
مني او مني هي الكلمة التي تجعل من أخي سعيد الآن وبعد مضي 25 عاما يغرق في نوبة من الضحك لا ينفتل منها إلا بدموع عينيه..
النحل كائنات تحب وطنها، ولا تقبل أبدا بالدخلاء والمتطفلين عليها.. هي مستعدة للموت في سبيل أن تحفظ الجميع من شعبها..
دمتم بخير ..