" قرآنُ الأُمنِيات "
الصُعود قد تَمادى و تَعدى
العُرف ، و النُزول ما زال فِي تَمادِي أكثر مِن تَمادي الصُعود ،
فالأروقة تَشَكلت كقاذفاتٍ ، و السواد و الظلام أصَبحا كالمُراقبين و الشُهب و النْيازك كالجمهور ،
و صوتُ السكون و خرير الأوراق انسَجم مع الطبيعة ليكُوِن مُوسيقى
هَادئة ،
و مصباح القمر كنورٍ للطريق ، و أمطار العَين كانت بمثابَةِ
الوقود أما الرُكوع فهو عِبارة عنْ صِيانة مُحكمة ،
و السِجُود كنظرةٍ أخيرة للاطمِئنان على سَير
خُطة العَمل بالشكلِ المُراد .
و لكُلِ رِحلة دليل و ما أُنزِل في
ليلةِ القدر خيرُ دليل لهذهِ الرِحلة ،
و أما دور المسافِر أو المهاجِر وهو
دور البَطل فهو للدعاء ،
و المعروف حسب قانون
العُلى إن الصَاعد أما أن يَصِل بخيرٍ أو لا يَصِل بل لا يَصعد بالأحرى
فحالهُ لا يختلِف عن الجِّن و الشَياطين الذين يُقذفون بما لا يرضيهم و
يرضي ربّ العالمين ،
ملحمةُ رحلةٍ أصعب مِن الوُصول إلى
كُرة النَهار المُلتهبة و أسهلُ مِن الانتقال بينْ غرفتين مُتلاصقتين ،
رُبما لا يفهم هذا الكَلام سِوى العاشقون حقّ العِشق في الله ، فما أتغَنى بهِ الآن هو
لغز الأمنِيات ،
فاقتباسُ شَخصية
مَاردِ المِصَباح ليس سِوى تحريفٍ لهذا اللُغز ،
أيّ أن الأماني تُحقق للنبلاء حقاً و لكن بدون وِصلة كما كانت
مِهنة المارد .
فالسوادُ ليس كَما نَعتقدُ بأنه الهَلاك و عالمٌ من الضياع ، فهو
أفضلُ طقسٍ لهذه الرِحلة ،
و الأفضَل وجُود العَواصِف و الأمَطار ؛ فتكون النَفس خَاشعة
مُتهيئة للدخول في هذه
المَعركة المُسلية التي تجري توقعاتها بعكس
اتجاه النهر فالباكي الذليل هو الفائز و الضاحك هو الخاسر ،
فلسفةٌ ليس لمن "
تَجَلمد " قَلبُه مِن كثرة حُبه للدنيا فَهمُها ،
فيَجِدُها سُخرية و السُخرية تَتشكل في جَسدِه و تُزيد
قُبح زوائده ،
فالشَياطين تنبعثُ من تَحتِ
مخالبِه و الجنُ تَتزاوج و
تَبيضُ فوق العِش الذي يُضفي لمسةً قبيحة على وجهِه ،
و كأنه الشيطان و لكنه يفتقر لما تفتقر إليه
البقرة و يملكهُ
الثور ،
نعم تلك التي عهِدناها على ذلك
السطح الوعِر الذي يدعى برأس الشيطان !
و كما يُوجد من هو بِقُبحِ الشَيطان بلا
قُرون ، هنالك من هو بحُسن الملاك بلا أجنحة ،
ولا يُبان لنا من جسدِه إلا النور و النور فلا يسَتطيع الواصف تحديد
قَسماتِ وجهه
بل يكتفي بِوصفِها بالمُنيرة و يعجزُ عن تَحديد سِمات أنامِله فيقول : "
يدُ القمر " ،
أما عَن الرقبةَ فقول : "
عنقِ الشمس " يفي بالغرض !
هكذا كان
بِراق ملاكاً قُدسياً يرتدي قِلادة من النور و يحيط به
أكليل من الزهور النيِّرة ،
لِم لا و سجادة صَلاته عانقت تلك
الرُقع التي تَحتاجُ نفسُها إلى
تَرقيع ؟
لِم لا و الدمعات تَتناثر كاللآلئ و تزداد تكوراً كلما حَفرت ذلك الخد الذي بات
كجنةِ الرافدين
بنهرينِ من الدمع و قد اكتسى كلُ نهرٍ اسماً عصرياً يليق به فالفرات أصبح "
حُب الله بلا فِراق " ،
و دجلة زيّن اسمه إلى "
ظهور المهدي في عجلة " .
ذليلٌ عزيز ، صغيرٌ كبير ، فقيرٌ غني ،خاسرٌ فائز .. كَلمات يتغنى بها براق دوماً
حتى تركت رائحة زكية ما زالت تُداعب آذان أحبابِه حتى أثناء غيابِه لتهُز تلك
الطَبلة الرقيقة
مروراً بعظيمات السَمع وصولاً إلى "
القَناة القَوقَعِية " ليتم فكّ هذه "
السَيالات العَصبية "
و إظهار ما تم إخفاؤه فلطالما كانت الصِفة الأولى للحياة الأولى و ما بقي للحياة التي ستظل باقية بعد
الحَشر .
فإذا قال
الله تعالى كُن فيكُون ، و إذا قال
العَبدُ كُن بإذن ربي فيكُون ،
أمورٌ أغرب من مِصباح المَارد فَهي لا تَحتاجُ
لمسحةٍ أو اثنتين ،
بل هي تِلقائية و إن تطَلبت -
كحد أقصى - كان عَليك أن تَسجِد لتُجدد ما كنت
تفعلهُ دوماً في العبادة المجردة من أي أمرٍ دنيوي ، و من أراد أن يَسري على نهجِ
براق
بإمكانه حَمل ذلك القرآن المقدس الصغير أو
قرآن الأمنيات كما سماه
براق و تقرأ شيئاً يسيراً
منه لتهيئ تلك النفس الحقيرة ، ثم تجهش بالبكاء و تكتب ما تريد في تلك
الدمعات ماسكاً
قرآن الأمنيات بشدة حتى تَرى ما تحلُم به أو تحلُم و ترى ما تريده .
لكن هذا الدرب شبه مستحيل ! فبمجرد الوصول إلى النشوة تبدأ بفقدان
الرغبة ،
فلا تريدُ أمنيةً غير
التقرُب لله أكثر فأكثر ، و لا عجب في ذلك فهل للعاشق أن يطلب غير قرابته من عشيقه ؟
فالوصول إلى هذه المَرحلة يجعلك تَعرف سبب تَحولك إلى ملاك بلا أجنحة ،
نَعم لكي لا تخرُق قانون الرَب حباً له فتَهلك ، فكما كان ممنوعاً على
ابن التراب أن ينزل من الأعلى ،
فقد مُنع الآن من الصعود للأعلى ، و لكن طَيفه المُتنكر
بعباءة دعاء مؤثر يُرحبُ بها دوماً في الأعلى .
و ما زال براق يرسل تلك الأطياف متنكرةً إما بعباءة دعاء أو متنكرةً
بجلدٍ نُقش عليه آيات من قرآن الأمنيات ،
و ما زالت تُستقبل في الأعلى و تُوظف في بناء القصور لباعثها ، فما أحوجنا إلى من يساعِدُنا على
تعمير الآخرة .